عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

104

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

بإعجازهم عن الإتيان بمثله كذلك علم الأسماء كان دليلا على خلافة آدم - عليه الصلاة والسلام - وفضيلته على الملائكة بإعجازهم عن إتيان مثله ، ثم كمالية استعداده للخلافة واستحقاقه للسجود إنما كان بتعلمه علم أسماء اللّه تعالى وصفاته بتعليم اللّه إياه بأن جعل ذاته وصفاته في التسوية مرآة قابلة لتجلي صفات جلاله وجماله تبارك وتعالى . كما قال - عليه الصلاة والسلام - : « إن اللّه خلق آدم فتجلى فيه » « 1 » . فبالتجلي علمه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته وهذا هو سر الخلافة على الحقيقة ، لأن المرآة تكون خليفة للمتجلي فيها . ومن دلائل فضيلة آدم على الملائكة واستحقاقه للخلافة احتياج الملائكة إليه بأنباء الأسماء لقوله تعالى : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ [ البقرة : 33 ] فكان آدم - عليه السلام - أول الأنبياء وأول ما بدأ بالنبوة بدأ بإنباء الملائكة بأمر الحق وبخلافته فكانوا بمثابة الأمة له ، فالفضيلة مختصة بالنبي على الأمة لا بالأمة على النبي وإنما كان آدم مختصا بعلم الأسماء دون الملائكة ، وهم محتاجون إليه بأنباء أسمائهم وأسماء غيرهم ؛ لأن آدم كان بالحقيقة أصل العالم وخلاصته فكان روحه بذر شجرة العالم وشخصه ثمرة شجرة العالم ، ولهذا خلق شخصه بعد تمام العالم بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة ، فكما أن الثمرة تعبر على أجزاء الشجرة كلها حتى يظهر على أعلى الشجرة ، كذلك آدم على أجزاء الموجودات علوها وسفلها ، وكان في كل جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ، ومصلحة ومفسدة ، فسمى كل شيء منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة ، والمصلحة والمفسدة ، بعلم علمه اللّه تعالى ، واختصه به من الملائكة وغيرهم ، وهذا من جملة ما كان اللّه يعلم من آدم والملائكة لا يعلمون ، فكان من كمال حال آدم أن أسماء اللّه تعالى جاءت على وفق منفعته ومضرته ، ومصلحته ومفسدته ، فضلا عن أسماء غيره ، وذلك أنه لما كان مخلوقا كان اللّه خالقا ، ولما كان مرزوقا كان اللّه رازقا ، ولما كان عبدا كان اللّه ربا ، ولما كان عابدا كان اللّه معبودا ، ولما كان معيوبا كان اللّه ستارا ، ولما كان مذنبا كان اللّه غفارا ، ولما كان تائبا كان اللّه توابا ، ولما كان منتفعا كان اللّه نافعا ، ولما كان متضررا كان اللّه ضارا ، ولما كان فقيرا كان اللّه غنيا ، ولما كان ضعيفا كان اللّه قويا ، ولما كان ظالما كان اللّه عدلا ، ولما كان مظلوما كان اللّه منتقما ، ولما كان محبا كان اللّه جميلا ، فعلى هذا قس الباقي . ثم اعلم أن الإنسان لهذا المعنى بكل صفة من صفاته كان قابلا كالمرآة لتجلي

--> ( 1 ) هذا الأثر سبقت الإشارة إليه .